الصفحات

الاثنين، 26 يونيو 2017

أمُ الرَشرَاش : بقلم الأديب اللواء // ماهر عبد الواحد

أمُ الرَشرَاش : [ قصة قصيرة حقيقية تعليمية تربوية من المجموعة القصصية مستنبح ]
بعدما حدث من تفريط للجزيرتين كان لزاما نشر قصة " أم الرشراش " من وقت لآخر ، ليثبت في وجدان المصريين أن أرضنا مزروعة بالوجدان والجينات .
------------------------------------------------------------------------------
وَدَّعَ زيدانُ أهله , وزوجَته الحامِلَ , وترَكَ قريَته لِيَلحَقَ بالحَمْلةِ المُتجهَةِ إلى أمِ الرشراشِ المصريةِ , حَيْثُ كُلِفَ بالعَمَلِ باستراحَةِ المَلكِ فاروقَ , التى أمَرَ ببنائِها بأم ِالرَشراش , تلك القريةِ المصريةِ الجَمِيلةِ الواقِعَةِ على ساحِلِ البَحْر الأحمَر , في الطرفِ الشمالى الغربى لخليج ِالعقبةِ , فهىَ تقعُ بين مَدِينة العَقبةِ الأردنيةِ من الشرقِ , وطابا المصرية من الغرب , وقد حَدَّثه عنها كثيرا ابنُ عَمِهِ الذى يَعْمَلُ بالشرطةِ المصريةِ حارسا على القلعةِ التى بناها السلطانُ الغورى مِن قبلُ بنفس ِالمنطقةِ .
وَصَلَ زيدانُ إلى أم ِالرشراش ِالمَصريةِ , وَوَجَدَ بها مَحَطة َ شرطةٍ صَغيرة , وعدداً من المبانى ,وكانَ سَعيدا بالإقامَةِ فيها, فالفضاءُ والهواءُ النقىُ , أمامَ ساحِلِ البَحر , يعطيها سِحْرا خاصا كما أنه قابلَ كثيرا من حُجاجِ ِالشامِ الذين يَمُرونَ على هَذِهِ القريةِ فى الذهابِ والإيابِ , وقام بخدمتهم , وأحَبَّهُ كثيرٌ مِنهم , لشجاعَتِهِ وكرمِهِ , مما شجَّعَهُ على أن يُحْضِرَ زوجَته ومَعَها طِفلتَه صَفاء , التى وُلِدَت بَعِيدا عَنه , وكانت حَياته سَعيدة , وكبُرَت صَفاءُ بصِحَةٍ جيدة , وعندما وَصَلت الخامِسَةَ من عُمُرها , كان لتأثير جَوالخليج ِ النقى ِوالمساحاتِ المفتوحَةِ , وكثرةِ الضيوفِ تأثيرا كبيرا على نموها الصِحِى والعقلى , فكانت شديدةَ الذكاءِ .
شاهَدَت وَسَمِعَت صَفاءُ ابنة الخمس سنوات مناقشاتٍ عديدة بين والدِها وبين ضيوفِهِ من أهْل ِالأردن والشام , كذلك البدو والجنود المصريين والعرب , وأحَسَت إحْساساً غريزيا بالنكبة , وأن فلسطين إغتصبتها العصاباتُ الصهيونية ُ, كما سَمِعَت أنهم لا قلبَ لهم ولا إيمان وأنهم يقتلون بقلب بارد , وكانت تستمِعُ إلى مُناقشاتِ الضيوفِ وفهمَت أنَّ هَذِهِ العِصابات يتزعَمُها عقيدٌ اسمه إسحاق رابين , وهو يُخطِطُ للقضاءِ على الشرطةِ المصريةِ والاستيلاء على أم الرشراش وتحويلها إلى ميناء إسرائيلى باسم إيلات , للتمتع بمنفذ على البحر الأحمر , وطرح بديلا لقناة السويس بمشروع قناة يصل بينَ إيلات و بينَ البحر الميتِ .
في صَبيحَةِ يومِ 10 مارس 1949 , وعَقِب قرار وَقف ِإطلاق ِ النار, أى بَعْدَ سِتةِ أشهر من اتفاقية الهدنة , استغلت عصابات الصهاينة انسحابَ الحاميةِ الأردنيةِ التي كانت تحتَ إمْرَة قائد إنجليزى , وقامت بتنفيذ مخططها للحصول على منفذٍ بَحَرىٍ على البحر الأحمر على الأرض المصرية .
استيقظت صَفاءُ من نومِها على أصواتِ مُكبراتِ الصوتِ التي يهدد فيها هذا العقيدُ المَلعونُ وجنودُه الشرطة َالمصرية َ, إذا لم يرحلوا خِلالَ سَاعَةٍ واحدةٍ سَيُقتلونَ جَميعا , صَرَخت النساءُ وتعالت صَيحاتُ البكاءِ , وهَرَبَ عَدَدٌ كَبيرٌ أمامَ تهديداتِ العِصَاباتِ الصهيونيةِ , وأما من رفضَ الرحيلَ , وكان عددهم 350 معظمهم من الشرطةِ المِصْرِيَةِ فقد اقتيدوا إلى منخفض وتم قتلهم جميعا بقسوةٍ ووحشية , ودفنوا بمقبرة جماعية , على الرغم من دخول هذه العصابات إلى القرية دون أن يَطلق المصريون عليهم طلقة واحدة , التزاما بأوامِرِ القيادَةِ بوقفِ إطلاق ِالنار, وكان هناك تواطؤ واضح من الجانبين الأمريكى والإنجليزى , وكانت صَفاءُ تتابعُ المَشهَدَ من خلفِ ربوةٍ , وقد أصابها الذهولُ , ولما لم تتحمل فظاعة المشهد , أخذت تعدو بشدةٍ تجاه طابا المصرية , وظلت تجرى بأقصى سرعة إلى أن أغمى عليها , فرآها الشيخ ناصر وهو بدوى من أهل المنطقة , فأخذها لزوجته , واستنتج أنها هاربة ٌمن جَحِيمِ العصابات الصهيونية , وشَخَّصَ الطبيب حالتها بأنها حالة ذهول وفقدان للذاكرة , وبعد فترةٍ قامت زوجة الشيخ ناصر بتسنينها , وأطلقت عليها اسم " أم الرشراش " تيمناً باسم بلدتها .
ظلت صفاءُ فاقدة ً للذاكرةِ , وإن كانت بصحةٍ جيدةٍ , وانتقلت مع أسرةِ الشيخ ِناصر للإقامَةِ بمدينةِ الإسماعيليةِ , وتزوجت , وأنجبت , والتحق أولادُها بالجامِعَةِ, وكانت ذاكرتها قد تحسنت إلا مما هو قبلُ الخامِسَةِ , فقد مَسَحَ المَوقِفُ الأليم كلَّ ما هو قبله , إلى أن حدثت المعجزة .
جلست صَفاءُ ذاتَ ليلةٍ , من ليالى سنة 2008 , لتشاهد نشرةَ َالأخبارِ بالتليفزيون ِالمصرى ِمع أسرتها , ولمَحَت وزيرَ خارجيةِ مِصْرَوهويقول : " إن أمَ الرشراشِ ليست مصرية وإنما كانت ضمن الأراضى المعطاة للدولةِ الفلسطينيةِ وفقا لقرار الأمَمِ المتحدةِ رقم 181 فى نوفمبر 1947 " وهُنا حَدَثَ مَاسٌ داخلَ عَقلِ صَفاءَ , فاسترجَعَت ذاكرتها , وانتفضت وهى تصْرُخُ بأعلى صَوْتها , أم ُالرشراش ِمصرية , مصرية , وأنا ترعرعتُ فِيها, شاهدتُ استراحَة المَلِكِ فاروق , وشاهدتُ قلعة السلطان الغورى , إن والدى ووالدتى مدفونان هناك ضمن المقبرة الجماعية , وأنا شاهدتُ قتلَ الصَهاينةِ للمصريين , ليسَ من حَق ِقوةِ الاحتلال البريطانى أن تهِبَ أرضَ مِصْرَ ليأخذها الصهاينة , كما أخذوا فلسطينَ بوعدِ بلفور من قبل .
جَلسَتْ صَفاءُ وَمَعَهَا جهاز اللاب توب وكتبت قصتها , ولماذا سُمِيت أمَّ الرشراش ِ, وعلى الفيس بوك , خاطبت الجميع , وطلبت , أن يجمع الشباب المعلومات عن أم الرشراش المصرية,وبالفعل عُقِدَت كثيرٌ مِن المحاضرات ِوالدراساتِ وأثبتت جميعها مصرية أم الرشراش , وتم تحديدَ مَوْعِدٍ تقابل فيه أكثر من مليون ِمصرىٍ بميدان ِالتحرير , من أجلِ تحرير أم الرشراش المصرية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق