الصفحات

الثلاثاء، 27 يوليو 2021

هجرة الكهف ...نسخ فني للأديبة / د.سلوى متولي

 نثر فني بعنوان: هجرة الكهف

د/ سلوى متولي

حينما تضع الدنيا خلف ظهرك، وتتجه للأمام دون اهتمام بمن في الخلف، تكون قد انطلقت في هجرة سماوية، وأجنحتك تسعى بقوة الشوق نحو النور، فتنطفئ في ذاتك أصوات الصخب القديمة، وتذهب في حالة من الهدوء؛ يمنحها لك ذلك المقر المرتفع الذي قررت السكون إليه، وتسعد بحالة نادرة تشعر فيها بمعنى هجرة الكهف...

والهجرة لا تحتاج إلى رفيق؛ إنها حالة معية لا يجب أن تخترقها طيور الكون إلا من أذن له الرحمن بتلك الرحمة، فكان صِدِّيقًا طاهر الفؤاد. الصخور تنطق بالنور وتمنحك جلال الصمت، وأخيرًا تُدرك الذات الفرق بين الحياة والموت؛ فإن أزهار الرقي لم تُزرع من قبل؛ فهي لا تنبت إلا بصدق الهجرة لله.

إنها صلاة الصبر الطويل على ركام الهوى الضال، إنها حالة  ارتقاء لمعرفة الجليل، وإدراك لفهم الجمال، تصاغ النفس فيها من جديد، وتلبس ثياب الأدب من المؤدِب لصاحب الخُلُق العظيم، وخلف تلك الثياب تنطق الروح لأول مرة. منذ دخولها ذلك الجسد الميت. إنها تُسبِّح للواحد وتسجد لنور السموات والأرض؛ فقد تجلى اليوم بالرضا ومنحها الأمل، وألبسها ثوب إيمان لا يبلى، وتعرفت الحواس ملامح جنة الحب ، وارتسمت في مخيلتها موجودات الآخرة؛ فقد انكسر الحد الفاصل بين الظلام والنور، وتبدت في وجود الذات شمس الله، التي عمَّت الكون بأشعة الرحمة وأمطار المغفرة.

يا إلهي، لماذا تتأخر الهجرة في حياة الصابرين؟! أكان لِزامًا أن يُجلَد الإنسان بسياط الابتلاء حتى يُدرك جمر الأرض، وينطلق لرحابة السماء، ويتنفس الرحمة بدلاً من الهواء الملوث بالجنون؟!  تُرى ماذا سيجد الإنسان بعد الهجرة إلا حالة ارتقاء في سماوات السرور...يصافح الملائكة، وينتشي بثقة الأسرار...ويغوص في جلال الصمت...

الأحد الموافق: ٢٥/٧/٢٠٢١م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق