فى القطــــــــــار / قصـــــة قصيـــــــــــرة
""""""""""""""""""""""""""""
كان يتابع حركاتها ومشيتها كل يوم فى ذهابها وإيابها من عملها حيث كانت مواعيد عمله فى نفس مواعيد عملها تقريباً .
وكان يركب القطار إلى المدينة المجاوره حيث مكان العمل.
والتقت عيناه بعينيها أكثر من مرة ...........
وشعر باضطرابها وارتباكها كلما جمعتهما نظرة طويلة أغرقت كل منهما
فى عين الآخر .
كانت سيدة فى مقتبل الثلاثين من العمر تبدو من ملابسها علامات الإحتشام والوقار.... متوسطة الطول ....بيضاء البشرة ....تضع فوق عينيها نظارة قراءة لا تخفى جمال العينين اللامعتين أسفل النظاره.
ورغم جمال الوجه وملامح الجاذبيه الغالبه عليه إلاّأن لها نظرة حاده وملامح مقتضبه لا تسمح لأحد بالجرأه على محادثتها أو الإقتراب منها .
وكان هو رجل قمحى اللون ... وشعر قصير فقد سواد الشباب ..طويل ..أنيق
به قليل من الوسامة والجاذبيه .
حين كان يخرج من بيته متجهاً إلى محطة القطار القريبه لم يكن فى ذهنه كل يوم إلاّ مشكلة واحده : هل سيقابلها اليوم ؟
ومتى يستطيع محادثتها ؟
وانقضت أيام عديده وهو لا يجنى من هذه العلاقه سوى رؤيتها من بعيد وهى تركب القطار وتجلس هى فى مكان ويجلس هو فى مكان آخر بعيد بعض الشىء.
ربما تجمعهما بعض النظرات الحالمه الحامله معها الكثير والكثير من الأسئلة.
لكنه لم ينل فرصة الحديث معها إلاّ هذه المرّه حين أراد القدر أن يمنحه الفرصة كامله وأجلسة إلى جوارها فى القطار لمدة نصف ساعه مسافة المحطه التى يركبانها معاً كل يوم .
أضاع منها عشر دقائق فى بئر الصمت الذى قذف نفسه داخله لا ينطق بأى كلمة أو إيماءه ... اللهم إلاّ بعض النظرات السريعه المختلسه .
وبعد صراع داخلى عميق داخل عقله وداخل بئر الصمت الذى إنغمس داخله بكل حواسه أراد أن يتمرد على أغلال الخجل وقيود التردد واندفعت أنفاسه تتوالى متسارعه حين قرر الخروج من بئر صمته ليتحدث إليها قبل أن ينقضى الوقت سُدى.....وتلعثم فى بادىء الأمر ...ولكن تدحرجت من بين شفتيه بعض الكلمات الخافته حول { أهلاً وسهلاً .....أنا بشوف حضرتك كل يوم .....هو حضرتك شغّاله فين؟ .......ممكن أعرف إسم حضرتك ؟}.
وظنّ أنها ستصرخ فى وجهه حين تسمع كلماته وسينظر إليه كل الركاب مستنكرين تطفله ووقاحته ،ولكنه تفاجأ حين سمع صوتها الدافىء الهادىء وهى تجيب بصوت منخفض يكاد يسمعه على تلك الأسئله التى قذفها فى وجهها حين إنفلتت من بين شفتيه وشعر أنّ حُمرة الخجل تنزوى عنه تباعاً.
وبدأ يتحدث إليها ويُفضى إليها بأشياء كثيره كان قد نمّقها ورتّبها لينطق بها أمامها حين تسنح له الفرصه ....
وكانت هى تجيب على أسئلته وتبادله الحوار برشاقة وجاذبيه رائعه .
وكان سعيداً جداً بتلك الحروف الدافئه التى تنطق بها ...والحديث العذب الذى ينساب منها والذى طالما تاق له ....وبينما هو كذلك إذ تغيّرت ملامحه فجأه وبداعليه الإنزعاج والضيق حيث كانت المحطة التى سينزلان فيها قد جاءت.
وانقطع الحديث فجأه كيفما بدأ فجأه.
وعاد هو إلى بئر الصمت الذى يسكنه ويعيش فيه معظم وقته بعد أن ودّعها متّجهاً إلى عمله، وتتزاحم فى رأسه مئات الأسئله ، ومئات الخواطر التى جالت بعقله وكأنه يقول :{ نعم تلاقينا فى وقت متأخر من العمر بعد أن ركب كل منّا قطاره الذى حدّده له القدر ....ولكن كيف لهذه المشاعر التى إشتعل فتيلها فى قلبى وقلبها أن تخمد أو تنطفىء؟.
هى لم تغلق الباب فى وجهى ، وشعرتُ منها أنها تبادلنى ما أشعر به ، ولا نريد أن نرتكب شيئاً مُحرّماً فكيف السبيل إلى هذا الزائر الذى جاءنا فى هذا الوقت المتأخر من العمر؟
لا نستطيع أن نبتعد ....ولا نجرؤ على الإقتراب أكثر .......
ولا نملك إلاّ تلك الدقائق المسروقه من الزمن حين يجمعنا مقعد فى قطار لمدة صغيرة بين الناس لتأخذنا المتاهات بعدها أيضاً إلى عالم ماعدنا ننتمى إليه إلاّ حين نفيق من خيالنا ....
وليتنا لا نفيق ......} . تمت
بقلم / إبراهيم فهمى المحامى
23/1/2015

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق