أميرة فى زمن الناطحات /قصه قصيرة
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
إقترب موعد معرض الفن التشكيلى الذى يحدث فى مدينته فى هذا الوقت من كل عام وهو لم يستعد بشئ يرضى عنه ليشترك به فى المعرض وخاصة أن هذا المعرض أصبح له حضور من كثير من البلدان العربيه والأجنبيه .
كان يبحث عن شئ جديد يرسمه ، شئ يستمد وحيه من صوت داخلى يخبره دائماً أن هناك مصدر الإلهام لم يزل فى الغيب ولم يصادفه بعد .
مدينته ساحليه ولديه البحر مصدر الإلهام التقليدى لكل الفنانين والشعراء والأدباء ولكنه يبحث عن الشئ المفقود الذى يمس وجدانه مباشرة ويحرّك ريشته التى تنبض بحروف الشعر قبل ألوان الرسم .
كان منظّم المعرض يستعجله دوماً بضيق الوقت وأنه لابد أن يُسرع بتقديم لوحته التى سيشارك بها لكنه بوجهة نظر خاصه يرى أن هذه المره لابد أن يشارك بشئ جديد ولكن كيف يجد ذلك الشئ الجديد ؟ ... أين يجد مصدر إلهامه ليبدأ فى رسم لوحته ؟
كان يتجول كل يوم فى الأزقّة والشوارع والتجمّعات يبحث فيها عن الشئ المفقود الذى يريده
وفى أثناء جولاته اليوميه المعتاده شعر ببعض الإجهاد فأراد الإستراحه بعض الوقت فى إحدى المقاهى الموجوده بذلك الحى السياحى والذى يكتظ بالزوار الأجانب والعرب فى هذه الفترة .، وانزوى فى مكان جانبى فى المقهى ولكنه يرى جميع من بالمقهى وأحضر له النادل فنجان القهوة المعتاد وبدأ فى الرشفة الأولى وهو يتلذذ بمذاقها ورائحتها ... وشرع فى الرشفة الثانية وإذ به ينصت إلى ضحكه لم يسمع مثلها من قبل ...ضحكه نفذت إلى داخله مباشرة وانتفض قلبه فجأه ، وزادت نبضاته عن معدلها ، وبدت الحيرة فى عينيه وهى تبحث عن مصدر تلك الضحكه التى تخلو من المياعه وسوء الخلق وتكتسى بحُلّة الوقار والعفّه .
ضحكه أشعرته أنها نابعه من أميرة من الزمن القديم ...ووقعت عيناه على صاحبة الضحكه التى حرّكت كل حواسه وكانت لفتاه لا يتجاوز عمرها الخامس والعشرين تتمتّع بجمال لم يقابل مثله فى حياته ،، شقراء .. بيضاء البشرة وكأن قرص الشمس ترك كل نوره على وجهها وحدها .. عيناها عسليتان وكأن إنسكب فيهما مزيج من العسل والخمر وبصمات الساحرات والتى جعلت من عينيها موطن يشتاق إليه كل من يراها ويتمنى أن يُسجن فى هاتين العينين وينساه الزمن وينساه البشر طول الحياة .
وأخرج اوراقه وبدأ فى رسم الخطوط الأولى من لوحته لأميرة شقراء تتصدّر اللوحه ومن خلفها صورة بعض المعالم الشهيرة لمدن الشام .. لم يكن يرى فى المقهى سواها ولم يهتم بمن كان يجلس معها واندمج فى رسم اللوحه وضم التفاصيل التى يشعر بها تنطق من ملامح هذه الفتاة .
وبدأت تشعر الفتاة بوجود شخص وكأنه يراقبها ويفحصها ثم يغوص فى أوراق أمامه وتختفى ملامحه خلف غابات من دخان السيجارة التى لا تنتهى حتى يضع غيرها فى فمه وكأنه يعض عليها ويمتصها ...واقتربت منه وهو غارق فى أوراقه ولمحت الصورة التى يرسمها وأن ملامح الفتاه التى بالصورة تشبه كثيراً ملامحها هى ولكن بملابس كلاسيكيه قديمه لأميرات الزمن القديم واندهشت لهذا الأمر وفى نفس الوقت شعرت ببعض السعاده التى غمرتها عند مشاهدة هذه اللوحه ، وانتبه إلى وقوفها بجانبه وإلى نظراتها الصاخبه نحو اللوحه فتلجلج فى القول وتلعثم ثم قال : أعتذر لو أن ما فعلته أزعجك أو ضايقك إنما لم أتمالك نفسى حين رأيتك ووجدت فيكِ الشئ الغامض الذى كنت أبحث عنه لعمل اللوحه التى سأشترك بها فى المعرض وليتك تسمحى لى بإستكاملها .
فقالت له : شئ يسعدنى أن أكون مصدر وحيك وإلهامك ولكن للأسف أنا موعد رحلتى إلى وطنى هذا المساء فأنا من الشام وكنت مع بعض الأصدقاء والأهل فى فسحة إلى معالم القاهره الشهيرة ،، ولكن دع خيالك يُكمل ما بدأت يا فنان وأتمنى لك كل توفيق .
وحصل منها على رقم هاتفها الجوال ليخبرها فيما بعد بنتيجة المسابقة وانكفئ على لوحته واستكملها بالصورة التى سيطرت على حواسه وخياله وقدّمها فى موعد مناسب وكانت المفاجأه أن تفوز لوحته بالمركز الأول وأن تحظى بإعجاب النقاد والزوار ، وأن تحظى بتقدير أكبر مبلغ مالى لها .... ولكنه رفض تماماً بيعها وقال إنها من حق صاحبتها التى فجّرت داخله هذا التميز وهذا الإبداع وكانت السر الكبير وراء نجاحه فى هذا المعرض .
بقلم / إبراهيم فهمى المحامى
12/12/2015

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق