ياتي الصوت متعثرا في كل الاسماء...او انصاف الاسماء. يا..ه ..اح..و يستقر أخيرا على الاسم المنشود. "إبراهيم، آ إبراهيم..وينك آ إبراهيم وليدي؟". يسبق الصوت المتذمر الجسد. " ما فمة كان إبراهيم؟ إبراهيم، إبراهيم، إبراهيم! ملا عيشة !" وتبتسم " خديجة" و هي تنصت للصوت المتذمر يقترب شيئا فشيئا و يخفت شيئا فشيئا حتى يطالعها الوجه، فتصطنع الغضب ترسمه على وجهها. " مالك تصرخ؟ هاني نسيت علاش ناديتك؟". يجتهد إبراهيم ليخفي غضبه و يبتسم و هو يجيب " قولي بركة، هاني جيت". تشيح خديجة بوجهها بعيدا تغالب ضحكة تكاد تنفلت من عقالها و هي تجيب : " مد حكة النفة اولا. ابحث عنها فقد نسيت اين وضعتها ثم سأخبرك لماذا ناديتك."
ينحني إبراهيم ليبحث عن " الحكة". يجثو على ركبتيه و ينظر الى جميع الزوايا متفحصا، باحثا ثم يقف و يجيب " ما فماش، ما لقيتهاش". تعاجله خديجة " زيد لوج..استنى نفركس روحي" و تنتصب واقفة وهي تنفض ادباشها. " هزتها الجنون؟ كانت في يدي قبل شوية" تتساءل مستنكرة. فجاة تقطع ضحكة رنانة الصمت، " اسكت ، اسكت..هاني لقيتها". و يجيب إبراهيم " اين؟" " في المحرمة" ترد خديجة و تردف ضاحكة " ولدها فوقها و هي تلوج" و يغرقان في الضحك..
تكف خديجة عن الضحك فجأة و تتساءل" علاش ناديتك؟" و يضحك إبراهيم و هو يجيب " ندري.." فتحتج " تضحك على اميمتك كبرت و خرفت؟ مازلت نطنطن..هاني تذكرت..اقعد اقعد اشرب كويس تاي" و يجلس ابراهيم و هو يضحك " نعيط الاخرين؟" يهمس غامزا..فتطاول خديجة بعنقها و هي تسر في أذنيه" لالالا..ما قعدش..اشرب بالسرقة عليهم"
لم تكن عجوزا. كانت في منتصف العمر و كانت لا تزال تحتفظ ببقية شباب و جمال و لم يكن كبيرا. كان قد تجاوز سن الطفولة ببضع سنين و لكنها كانت تراه كبيرا. كانت تعتبره رجل البيت و كانت تؤثره على جميع اخوته و كان يعلم ذلك و يبادلها الود بالود..
هناك في الافق البعيد، لاح لناظريها شبح يروم و يجيء. شيئا، فشيئا اتضحت معالم الشبح؛ شعر فاحم السواد ووجه مستدير تزينه عينان سودوان و جسد مشدود كسنديانة، في اعلى الوجه وشم جميل يناظره آخر اسفله. قمر يعاند قساوة الظروف و الفقر المدقع الذي يشي به اللباس و الحذاء البلاستيكي الممزق. ذاك القمر كان اسمه " خديجة" و تنهدت و هي تستعيد الصورة " ايييييه يادنيا". كانت شابة نشيطة و جميلة و كان جمالها يغريها بالحلم. " خطبوني برشة...معلم و طبيب..لكن سعدي تكب و خذيت ولد عمي....مكتوب" . لم تكن مخطئة تماما، كان جمالها يغري الكثيرين و خطبها كثيرون و لكن جريا على العادة '" القريب أولى من البعيد". استفاقت ذات يوم على زغاريد امها " بوك عطاك لولد عمك" اين و متى خطبها؟ لم يتجاوز الامر مدة ارتشاف كاس شاي في " قيطون في السوق و ربما ما استغرقه ارتشاف رشفتين أو ثلاث..
ختفت " خديجة" عن الانظار جريا على العادة. حجبتها امها عن الانظار و لم يستغرق الامر كثيرا، مقدار ما استغرقه بناء " علي " لكوخه. مع نهاية سبتمبر و بعد جمع الصابة، تم الزفاف. البسوها " بلوزة" و حنوا لها رجليها و يديها و اتوا " بالبغلة الشهباء و اركبوها الى كوخ زوجها. لم تكن تعرفه و لم تكن تعلم عن الزواج سوى انه ركوب " البغلة" و لم تكن سعيدة ولم تكن حزينة. كانت قانعة، راضية بما كتب لها و ما قرره الاخرون نيابة عنها. كانت الايام الاولى للزواج عسيرة. لم يكن "علي" زوجا سيئا و لكنها كانت تحس بانها غريبة عنه و عن المكان الجديد و لم يكن هو بأحسن حال. كان عديم تجربة، غرا تسيطر عليه نوازع الشباب. كان يسهر مع اصدقاىه حتى آخر الليل و يعود ليفترسها و كانت تكرهه في تلك اللحظة و تمقته حتى لتتمنى لو تقتله و ترتاح..
ليس الانسان سوى ابن الضرورات..انت ما تشكله الحياة..تخشوشن اذا اخشوشنت و ترق اذا ترققت..انحنت خديجة للريح..غضبت مرة و ذهبت غاضبة الى بيت اهلها و لكن اباها الزمها بالرجوع. وقف و هو يفتل شاربيه و قال لها باعلى صوته " ضيفة مرحبا بيك. اما ان تاتي غاضبة فليس عندي بنات يغضبن" . عادت بخيبتها بل بخيبتين، " لا راجل يصلح و لا نصير يدافع عنها". انطوت على انكسارها تؤنسها دموعها و امل في ان " يعمل الراجل عقل". كرت الايام كرتها و اتى من يؤنس وحدتها و تتابع القادمون حتى بلغ عددهم ثلاثة و كان ابراهيم اخر العنقود..
الذكر ابن أبيه، هكذا تقول العجائز في قريتنا و هكذا رددت " خديجة" بعد مجيء الصغيرين. تمنت أنثى . ابنتها هي، تربيها كما تشاء هي و تنفخ فيها من روحها و تحملها امالها وامانيها التي لم تتحقق. كم من الليالي قضتها و هي تدعو و كم من الصور رسمت للابنة القادمة. ولكن القادم كان ذكرا. نفرت منه اول الامر ثم قنعت بما كتب لها و سمته بنفسها ابراهيم و عزمت ان تحقق فيه امانيها. وليكن ذكرا، سيكون ابن امه و مهجة روحها. ولكن الولد كان معتلا و كان دائم البكاء و احتارت في الزمن الذي يعاندها و عزمت على مبادلته العناد بالعناد. اهتمت به كما لم تهتم باحد من اشقائه و ارضعته من صدرها زيادة عنهم و ساعدها الولد بإصىرار عجيب على الحياة ،فتجاوز شيئا، فشيئا محنه و بدأ عوده يشتد شيئا، فشيئا..
" إبراهيم...آآآ ابراهيم" يتباعد الصوت شيئا، فشيئا. مازال البراد يغلي و يشهد بأن الوصل مازال قائما، بأني مازلت فيك و انك مازلت في و لكن الصوت يتباعد. " شبيك بطيت يا ابراهيم؟" " ما سمعتكشي آ دادة كنت نكور". " باهي وليدي، البراد برد استنى نسخنلك التاي". و يترشف ابراهيم كأس الشاي و تجلس قبالته. " كبرت يا إبراهيم، بديت تعمل في لحية" و يحمر الوجه خجلا. مازلت تشرب الشاي من يدي و مازلت تحمر خجلا، مازلت صغيري رغم الصوت المتباعد و تبتسم في زهو.." إبراهيم...... آآآآآ إبراهيم و الصوت يتباعد و يتباعد..و البراد يئن و يئن و يئن..
ينحني إبراهيم ليبحث عن " الحكة". يجثو على ركبتيه و ينظر الى جميع الزوايا متفحصا، باحثا ثم يقف و يجيب " ما فماش، ما لقيتهاش". تعاجله خديجة " زيد لوج..استنى نفركس روحي" و تنتصب واقفة وهي تنفض ادباشها. " هزتها الجنون؟ كانت في يدي قبل شوية" تتساءل مستنكرة. فجاة تقطع ضحكة رنانة الصمت، " اسكت ، اسكت..هاني لقيتها". و يجيب إبراهيم " اين؟" " في المحرمة" ترد خديجة و تردف ضاحكة " ولدها فوقها و هي تلوج" و يغرقان في الضحك..
تكف خديجة عن الضحك فجأة و تتساءل" علاش ناديتك؟" و يضحك إبراهيم و هو يجيب " ندري.." فتحتج " تضحك على اميمتك كبرت و خرفت؟ مازلت نطنطن..هاني تذكرت..اقعد اقعد اشرب كويس تاي" و يجلس ابراهيم و هو يضحك " نعيط الاخرين؟" يهمس غامزا..فتطاول خديجة بعنقها و هي تسر في أذنيه" لالالا..ما قعدش..اشرب بالسرقة عليهم"
لم تكن عجوزا. كانت في منتصف العمر و كانت لا تزال تحتفظ ببقية شباب و جمال و لم يكن كبيرا. كان قد تجاوز سن الطفولة ببضع سنين و لكنها كانت تراه كبيرا. كانت تعتبره رجل البيت و كانت تؤثره على جميع اخوته و كان يعلم ذلك و يبادلها الود بالود..
هناك في الافق البعيد، لاح لناظريها شبح يروم و يجيء. شيئا، فشيئا اتضحت معالم الشبح؛ شعر فاحم السواد ووجه مستدير تزينه عينان سودوان و جسد مشدود كسنديانة، في اعلى الوجه وشم جميل يناظره آخر اسفله. قمر يعاند قساوة الظروف و الفقر المدقع الذي يشي به اللباس و الحذاء البلاستيكي الممزق. ذاك القمر كان اسمه " خديجة" و تنهدت و هي تستعيد الصورة " ايييييه يادنيا". كانت شابة نشيطة و جميلة و كان جمالها يغريها بالحلم. " خطبوني برشة...معلم و طبيب..لكن سعدي تكب و خذيت ولد عمي....مكتوب" . لم تكن مخطئة تماما، كان جمالها يغري الكثيرين و خطبها كثيرون و لكن جريا على العادة '" القريب أولى من البعيد". استفاقت ذات يوم على زغاريد امها " بوك عطاك لولد عمك" اين و متى خطبها؟ لم يتجاوز الامر مدة ارتشاف كاس شاي في " قيطون في السوق و ربما ما استغرقه ارتشاف رشفتين أو ثلاث..
ختفت " خديجة" عن الانظار جريا على العادة. حجبتها امها عن الانظار و لم يستغرق الامر كثيرا، مقدار ما استغرقه بناء " علي " لكوخه. مع نهاية سبتمبر و بعد جمع الصابة، تم الزفاف. البسوها " بلوزة" و حنوا لها رجليها و يديها و اتوا " بالبغلة الشهباء و اركبوها الى كوخ زوجها. لم تكن تعرفه و لم تكن تعلم عن الزواج سوى انه ركوب " البغلة" و لم تكن سعيدة ولم تكن حزينة. كانت قانعة، راضية بما كتب لها و ما قرره الاخرون نيابة عنها. كانت الايام الاولى للزواج عسيرة. لم يكن "علي" زوجا سيئا و لكنها كانت تحس بانها غريبة عنه و عن المكان الجديد و لم يكن هو بأحسن حال. كان عديم تجربة، غرا تسيطر عليه نوازع الشباب. كان يسهر مع اصدقاىه حتى آخر الليل و يعود ليفترسها و كانت تكرهه في تلك اللحظة و تمقته حتى لتتمنى لو تقتله و ترتاح..
ليس الانسان سوى ابن الضرورات..انت ما تشكله الحياة..تخشوشن اذا اخشوشنت و ترق اذا ترققت..انحنت خديجة للريح..غضبت مرة و ذهبت غاضبة الى بيت اهلها و لكن اباها الزمها بالرجوع. وقف و هو يفتل شاربيه و قال لها باعلى صوته " ضيفة مرحبا بيك. اما ان تاتي غاضبة فليس عندي بنات يغضبن" . عادت بخيبتها بل بخيبتين، " لا راجل يصلح و لا نصير يدافع عنها". انطوت على انكسارها تؤنسها دموعها و امل في ان " يعمل الراجل عقل". كرت الايام كرتها و اتى من يؤنس وحدتها و تتابع القادمون حتى بلغ عددهم ثلاثة و كان ابراهيم اخر العنقود..
الذكر ابن أبيه، هكذا تقول العجائز في قريتنا و هكذا رددت " خديجة" بعد مجيء الصغيرين. تمنت أنثى . ابنتها هي، تربيها كما تشاء هي و تنفخ فيها من روحها و تحملها امالها وامانيها التي لم تتحقق. كم من الليالي قضتها و هي تدعو و كم من الصور رسمت للابنة القادمة. ولكن القادم كان ذكرا. نفرت منه اول الامر ثم قنعت بما كتب لها و سمته بنفسها ابراهيم و عزمت ان تحقق فيه امانيها. وليكن ذكرا، سيكون ابن امه و مهجة روحها. ولكن الولد كان معتلا و كان دائم البكاء و احتارت في الزمن الذي يعاندها و عزمت على مبادلته العناد بالعناد. اهتمت به كما لم تهتم باحد من اشقائه و ارضعته من صدرها زيادة عنهم و ساعدها الولد بإصىرار عجيب على الحياة ،فتجاوز شيئا، فشيئا محنه و بدأ عوده يشتد شيئا، فشيئا..
" إبراهيم...آآآ ابراهيم" يتباعد الصوت شيئا، فشيئا. مازال البراد يغلي و يشهد بأن الوصل مازال قائما، بأني مازلت فيك و انك مازلت في و لكن الصوت يتباعد. " شبيك بطيت يا ابراهيم؟" " ما سمعتكشي آ دادة كنت نكور". " باهي وليدي، البراد برد استنى نسخنلك التاي". و يترشف ابراهيم كأس الشاي و تجلس قبالته. " كبرت يا إبراهيم، بديت تعمل في لحية" و يحمر الوجه خجلا. مازلت تشرب الشاي من يدي و مازلت تحمر خجلا، مازلت صغيري رغم الصوت المتباعد و تبتسم في زهو.." إبراهيم...... آآآآآ إبراهيم و الصوت يتباعد و يتباعد..و البراد يئن و يئن و يئن..
تعثر إبراهيم بالايام و تعثرت به. سقط و نهض و سقط و نهض ولكنه مضى في طريقه او هي الايام مضت به. مع بلوغه السادسة من عمره، سجله والده في مدرسة القرية. كانت " خديجة" متحمسة لذلك. فرحت حتى دمعت عيناها. نادته عشيتها بصوت غير الذي اعتاد. " آ..إبراهيم" كان صوتها يشي بالخطورة و عندما وقف امامها، كانت نظرتها مختلفة. في عينيها، ارتسمت غمامة غامضة و بعض الدمع..كانت قد أعدت كل شيء. وضعته امامها في " القصعة" و استعملت يديها للفرك و الدلك. كانت يداها خشنتين. أوجعته و هي تطارد الاوساخ و كانت تحتج بين الفينة و الاخرى " هذاكة من التراب الذي تلعب به". توقفت فجاة و ادارته نحوها و قالت بصوت غريب جمع بين الصرامة و الحنان " تعرف علاش ندوشلك؟" لم تنتظر الاجابة و واصلت و كانها تحدث نفسها " غدوة تدخل المدرسة..ولدي ولى راجل" و ضمته الى صدرها بعنف و احس بماء ساخن يسيل من عينيها و يقع على رقبته..
لم تدعه يطيل السهر معها تلك الليلة. جلست عند رأسه و اعطته فخذها وسادة و ظلت تتأمل الوجه. " ابراهيم لا يشبه احدا. ابراهيم يشبهني انا لوحدي. هو ليس ابن ابيه. هو انا." اختفى وجه ابراهيم. حلت محله ارض منبسطة اكتظت بالخيام و السلع و الناس. رجلان اشعثا الشعر جلسا و على رشفة شاي اتفقا و تلاشى الزمن او هي لم تعشه لتصفه. كالريح مر سريعا و القاها. في البيت صخب و زغاريد و كبش يثغو محتجا على الذبح، على دمي المسفوح ترقصون و تغنون و تزهون؟ مر كل ذلك كلمح البصر. يد خشنة، قوية رمت فوقك برنسا و حملتك، على ظهر بغلة عجفاء وضعتك و اقتادوكما الى الكوخ..زغاريد و دمع يزفك الى الشتاء..مازلت صغيرة و لكنك غدا تكبرين..وها أن إبراهيم يكبر و يذهب الى المدرسة، ها انت تكبرين..ودمع من العين يسيل، فيتململ إبراهيم و يظطرب في نومه، فتنتبهين..
لم تنم ليلتها. ارهقها الحلم و ارقها. لم تفارق الصورة خيالها. لم تكن صورة مكتملة. كانت حلما جهدت حياتها كاملة لتكمله و لكنه لم يكتمل. وهل تكتمل الاحلام يا خديجة؟ لو اكتملت لما كانت احلاما..إبراهيم ..محفظة..مدرسة..لوح..كراس.. وتتناثر الاشياء و تأبى الاجتماع. تلك الليلة شتت الشوق كل كيانها و تمزقت بين الخوف و الامل. "سيذهب إبراهيم الى المدرسة. سيغيب عن عيني ليوم كامل. كيف سأصبر على فراقه؟ " و يعود الصوت " يزي انت تكب سعدك..لوكان قروك راك ماكش هنا..خليه يمشي و يقرا و انت كالدجاجة كاركة عليه"..تسلل النور من خشاش الكوخ ومسح هواجسها. هذا الضياء ينتشر و يعلن بدء معركة الحياة.
مع خيوط الضوء الاولى تسلل شبح من فراشه. مضى يتلمس طريقه نحو الباب و سريعا ما عاد محملا ببعض الحطب. وضعه و اشعل النار. انتظر قليلا ثم وضع " الغناي" عليها. جلب قصعة و سكب فيها بعض السميد و الماء. حفر حفرة صغيرة في كوم السميد و سكب فيها بعض الزيت و خلط الخليط كله حتى استوى العجين اقراصا وضعها وسط '"الغناي" و انتظر حتى نضجت. فاحت رائحة الخبز و قاوم إبراهيم للحظات. تشبث بالغطاء و اغمض عينيه بقوة يحبس بقية نوم لئلا يفر. زقزقت عصافير بطنه و نقرته. كان الاغراء اشد من أن يصمد امامه،فقفز من الفراش و هو ينفض النعاس العالق باجفانه. دبت حماسة مفاجئة في خديجة و غمرها فرح مستجد. " ابراهيم! قمت يا كبدي؟" لم تنتظر الجواب و جرت نحوه بإناء الماء و غسلت له وجهه و هي تقول " تعال و افطر مليح.." و جلست تتامله وهو ياكل. لم يدم الفطور طويلا. كان فطورا بسيطا مغمسا ببساطة القلوب. البسته لباسه الجديد و ميدعة زرقاء ووضعت المحفظة المزدانة بالارانب و الازهار والمزدحمة بالكتب التي تزاحمها احلامها ووقفت تتامله.
رافقته حتى الباب. اودعته قلبه و اودعها قلبه و هما يفترقان. مضى لوحده. لم يرافقه احد سوى بعض الهواجس و الرهبة من القادم المجهول. كان فرحا باللباس الجديد و المحفظة و فخورا بانه قد اصبح " راجل" كما اخبرته خديجة, مازالت كلماتها ترن في اذنيه، فيزهو و بناء عليه فقد اعتدل في مشيته و نفخ صدره متاسيا بوالده. ضحكت و هي تتابعه ببصرها. كانت ضحكة من وسط دموع سالت دون ان تتفطن لها و تنهدت وهي تتمتم "ربي يهديك و يوفقك". كان الوداع سريعا. كان الوداع محكوما بظوابط و اشد ظوابطه " وليت راجل"..مضى في طريقة مشتتا بين الرجاء و الخوف. خوف مكتوم تخنقه الرجولة المستجدة. كان الشعور بالوحدة يقتله و المخاوف تزحف على عقله الصغير. هنا شنق العم " صالح" نفسه، من هنا حملوا عمتي " دوجة" الى المقبرة..تذكر حكايات امه عن الاشباح و الارواح..و لكنه تحكم في مخاوفه و سيطر عليها.." وليت راجل" و الرجل لا يخاف و لا يبكي..
لم تدعه يطيل السهر معها تلك الليلة. جلست عند رأسه و اعطته فخذها وسادة و ظلت تتأمل الوجه. " ابراهيم لا يشبه احدا. ابراهيم يشبهني انا لوحدي. هو ليس ابن ابيه. هو انا." اختفى وجه ابراهيم. حلت محله ارض منبسطة اكتظت بالخيام و السلع و الناس. رجلان اشعثا الشعر جلسا و على رشفة شاي اتفقا و تلاشى الزمن او هي لم تعشه لتصفه. كالريح مر سريعا و القاها. في البيت صخب و زغاريد و كبش يثغو محتجا على الذبح، على دمي المسفوح ترقصون و تغنون و تزهون؟ مر كل ذلك كلمح البصر. يد خشنة، قوية رمت فوقك برنسا و حملتك، على ظهر بغلة عجفاء وضعتك و اقتادوكما الى الكوخ..زغاريد و دمع يزفك الى الشتاء..مازلت صغيرة و لكنك غدا تكبرين..وها أن إبراهيم يكبر و يذهب الى المدرسة، ها انت تكبرين..ودمع من العين يسيل، فيتململ إبراهيم و يظطرب في نومه، فتنتبهين..
لم تنم ليلتها. ارهقها الحلم و ارقها. لم تفارق الصورة خيالها. لم تكن صورة مكتملة. كانت حلما جهدت حياتها كاملة لتكمله و لكنه لم يكتمل. وهل تكتمل الاحلام يا خديجة؟ لو اكتملت لما كانت احلاما..إبراهيم ..محفظة..مدرسة..لوح..كراس.. وتتناثر الاشياء و تأبى الاجتماع. تلك الليلة شتت الشوق كل كيانها و تمزقت بين الخوف و الامل. "سيذهب إبراهيم الى المدرسة. سيغيب عن عيني ليوم كامل. كيف سأصبر على فراقه؟ " و يعود الصوت " يزي انت تكب سعدك..لوكان قروك راك ماكش هنا..خليه يمشي و يقرا و انت كالدجاجة كاركة عليه"..تسلل النور من خشاش الكوخ ومسح هواجسها. هذا الضياء ينتشر و يعلن بدء معركة الحياة.
مع خيوط الضوء الاولى تسلل شبح من فراشه. مضى يتلمس طريقه نحو الباب و سريعا ما عاد محملا ببعض الحطب. وضعه و اشعل النار. انتظر قليلا ثم وضع " الغناي" عليها. جلب قصعة و سكب فيها بعض السميد و الماء. حفر حفرة صغيرة في كوم السميد و سكب فيها بعض الزيت و خلط الخليط كله حتى استوى العجين اقراصا وضعها وسط '"الغناي" و انتظر حتى نضجت. فاحت رائحة الخبز و قاوم إبراهيم للحظات. تشبث بالغطاء و اغمض عينيه بقوة يحبس بقية نوم لئلا يفر. زقزقت عصافير بطنه و نقرته. كان الاغراء اشد من أن يصمد امامه،فقفز من الفراش و هو ينفض النعاس العالق باجفانه. دبت حماسة مفاجئة في خديجة و غمرها فرح مستجد. " ابراهيم! قمت يا كبدي؟" لم تنتظر الجواب و جرت نحوه بإناء الماء و غسلت له وجهه و هي تقول " تعال و افطر مليح.." و جلست تتامله وهو ياكل. لم يدم الفطور طويلا. كان فطورا بسيطا مغمسا ببساطة القلوب. البسته لباسه الجديد و ميدعة زرقاء ووضعت المحفظة المزدانة بالارانب و الازهار والمزدحمة بالكتب التي تزاحمها احلامها ووقفت تتامله.
رافقته حتى الباب. اودعته قلبه و اودعها قلبه و هما يفترقان. مضى لوحده. لم يرافقه احد سوى بعض الهواجس و الرهبة من القادم المجهول. كان فرحا باللباس الجديد و المحفظة و فخورا بانه قد اصبح " راجل" كما اخبرته خديجة, مازالت كلماتها ترن في اذنيه، فيزهو و بناء عليه فقد اعتدل في مشيته و نفخ صدره متاسيا بوالده. ضحكت و هي تتابعه ببصرها. كانت ضحكة من وسط دموع سالت دون ان تتفطن لها و تنهدت وهي تتمتم "ربي يهديك و يوفقك". كان الوداع سريعا. كان الوداع محكوما بظوابط و اشد ظوابطه " وليت راجل"..مضى في طريقة مشتتا بين الرجاء و الخوف. خوف مكتوم تخنقه الرجولة المستجدة. كان الشعور بالوحدة يقتله و المخاوف تزحف على عقله الصغير. هنا شنق العم " صالح" نفسه، من هنا حملوا عمتي " دوجة" الى المقبرة..تذكر حكايات امه عن الاشباح و الارواح..و لكنه تحكم في مخاوفه و سيطر عليها.." وليت راجل" و الرجل لا يخاف و لا يبكي..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق