خطبة بعنوان : البيت الحرام وحكمة بنائه
للشيخ : عبد القوى أبو سنة - رحمه الله -
مسجد : عبد الرحمن فوزى بالصف
**********************************
لك الحمد يا رب : يا من جعلت البيت الحرام مثابة للناس وآمنا وأمرتهم بأن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلًّى.
واشهد أن لا إله إلا أنت : بحكمتك أمرت بوضع أول بيت فى أقدس بقعه ليكون منارة ترشد الضال ، وتهدى الحائر .
واشهد أن محمداً عبدك ورسولك : كانت ولادته بأم القرى فازدادت به تشريفاً وتكريماً ... وكان للبيت معظماً ومقدساً ... وكان له مطهراً وحافظاً .
صلواتك و تسليمك يا رب على هذا النبى: الذى كانت رسالته امتداداً لرسالة أبى الأنبياء وآخر حلقة فى سلسلة النبوة والرسالة .
وعلى آله وصحابته : الذين عرفوا للبيت مكانته ... فصانوا حرمته وقداسته .
ومن تبعهم : وحافظ على المقدسات مثلهم فكان من الراشدين
أما بعد………… فيا أمة الإسلام …………
تتجه مئات الألوف من البشر فى مثل هذه الأيام إلى الأرض المقدسة لأداء شعائر الله ، وفريضة من فرائض الإسلام وهناك يعيش الذاهبون عبر التاريخ ، وتهفوا نفوسهم إلى تلك الأيام الخالدة التى عاشها أنبياء الله على هذه الأرض الطاهرة ، وفيها نشروا دعوة الله إلى الناس ... فهناك رفع إبراهيم الخليل قواعد البيت
ومن خلال هذه الرحلة نربط بين التاريخ القديم – تاريخ إبراهيم – وبين مناسك الحج ... ومن خلال هذا الربط يتبين لنا أن رحلة الحج ليست مجرد وقوف عند أماكن معينة ، ثم طقوس يؤديها الحاج .... ولكن الأمر أعمق من ذلك بكثير .... فليست هناك أحجار بكماء صماء ، وجبال عالية ، وبيت من حجارة ... ولكن هناك حياة روحية صافية فى تأملها تربية للنفوس ، ودعوة بصقلها وتهذيبها ، إنها رحلة للوقوف على الماضى لاستنشاق رحيق أجمل الأيام التى قامت فيها رسالات السماء على الأرض ... وكان فيها خيط قد ربط بين الأرض والسماء حتى تسمو الروح إلى آفاق جديدة وحتى تسير قافلة الإنسانية إلى الأمام دستورها الأخلاق القويمة ، والحياة الفاضلة النظيفة مهما كانت المعاناة ، ومهما كانت أهوال الطريق.
إن مئات الألوف من المؤمنين يفدون فى هذه الأيام على أول بيت وضع فوق الأرض متعبداً للناس : (( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ )) (96) سورة آل عمران .
خصه الله بثلاث صفات ( البركة ، والهداية ، والأمن ) .... وكل مسلم فى أشد الحاجة إليها ، وهذا البيت " مبارك " والبركة : هى زيادة الخير وكثرته ، وهذه البركة حسية ، ومعنوية : فالحسية : تتمثل فى ما ساقه الله من خيرات الأرض وبركاتها إلى أهل هذه البلاد تجئ إليهم من أقطار الدنيا : (( وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ )) (57) سورة القصص.
وأما البركة المعنوية : فهى تتمثل فى توجيه الناس من مشارق الأرض ومغاربها إلى هذه البلاد المقدسة لأداء مناسك الحج والعمرة .. استجابة لدعوة الخليل "إبراهيم": ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )) (126) سورة البقرة
وهذا البيت ((هدى للعالمين)) فهو مصدر الهداية والنور لجميع الخلق ، جعله الله مجْمَعاً وأمناً فيه الأمان بكل معانية.
أمان من الظلم والقهر ، أمان من الاحتكار ..أمان لإبداء الرأى الحر النافع ، أمان من القيود التى يفرضها المستبدون: ((وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً ....)) (125) سورة البقرة. ويقول تعالى : ((فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ...)) (97) سورة آل عمران . ويقول : (( الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ )) (4) سورة قريش . وروى عن ابن عباس – رضى الله عنهما – أن النبى صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة : ((إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة .... )) متفق عليه (مشكاة المصابيح / تحقيق الألبانى 2715/1)
أيها الأخوة :
***********
إن البيت العتيق الذى وضع للناس منذ آلاف السنين ـ والذى هو دعامة من دعامات الإسلام والذى يهوى إليه مئات آلاف من كل فج ملبين آذان الخليل إبراهيم ومستجيبين من بعده لدعوة النبى العربى اليتيم .... إن هذا البيت يستحق منا النظر إلى تاريـخه عسى أن نرتشف من معين العزم والصبر والثبات بلسما نأسوا به جراحاتنا ونخفف به آلامنا فلا يستبد بنا اليأس أبداً ... حتى ولو أظلمت الدنيا وغابت شمسها ... حتى لو أن انقطع خيط كل الأمل ... حتى لو تحزب الباطل كله وأعوانه..فإن فرج الله قريب ((.. وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا)) (2) سورة الطلاق
إن قواعد هذا البيت كانت وسط صحراء جرداء تصعب الحياة فيها ، وتيأس الوحوش من سكناها ، ولا طائر يحوم حولها ... وعلى ظهر تلك البقعة مرت بالخليل إبراهيم أصعب تجارب حياته ... إن تلك البقعة التى بنى عليها البيت العتيق كانت مجهولة للناس ... لكنها معروفة فى خريطة النبوة ، ذهب إليها خليل الله إبراهيم وبرفقه زوجته هاجر وابنه الطفل ـ وليدها ـ ووحيده إسماعيل ... وكان الهدف من هذه الرحلة إلهياً محضاً ... إذ أوحى الله لإبراهيم أن يهاجر بزوجه وابنه إلى هذه البقعة الساكنة الصامتة لغاية مكنونة فى ضمير الغيب .
قال ابن عباس رضى الله عنهما : ((جاء إبراهيم بهاجر وابنها إسماعيل وهى ترضعه حتى وضعها عند دوحة فوق زمزم فى أعلى المسجد وليست مكة يومئذ أحد ، وليس بها ماء .. فوضعهما هناك " - وهناك ... أطاع الخليل ربه ، ونفذ ما أوحى إليه ، وترك زوجته وابنه فى هذا المكان الموحش – ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه جرعات ماء ... ثم قفى منطلقاً - وهم بتركهما عائد إلى الشام من حيث أتى وقلبه يكاد يخرج من صدره لتركه فلذة كبده الوحيد الذى تشوق لمولده منذ زمن بعيد ... وفى هذا الموقف الصعب وما أقساه ترتاع الأم من وحشة الصحراء
فتتضرع إبراهيم ألا يدعهما فى هذا المكان الخالى الرهيب ـ ولكنه ... ويا للهول أشاح عنها بوجهه ـ وتكرر النداء بالصوت الحنون ...فلا مجيب ولا ملتفت ـ وكأنما كان يخشى أن تخونه عاطفته أمام الأم الوالهة الحيرى ... أو تثور أبوته رحمة بابنه الوحيد ، وأعادت هاجر سؤالها من جديد ، أين تذهب ؟ وعلى من تكلنا بهذا الوادى ؟ والشيخ منصرف عنها منطلق فى سبيله ... حتى إذا كاد يتوارى خلف الوادى سمع صوتها الضارع يسأل فى حنان ولهفه ؟آلله أمرك بهذا ؟ فيقول لها أجل ... فتقول فى رضى وإيمان ، وصبر ويقين : ((إذن لا يضيعنا أبداً)) صحيح البخارى (3184) / صحيح السيرة النبوية لمحمد الغزالى / تحقيق الألبانى 40).
ما أعظم هذا الإيمان وما أروعه وما أجله ؟ ... وأطرقت صامته ... ولكن مشاعر إبراهيم الإنسانية فواره لحظه وداعه فوقف ورفع وجهه إلى السماء قبلة الدعاء وابتهل إلى الله فى توسل وفى ضراعه ... وهمس بهذه الكلمات الصافية الشفافة : (( رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ )) (37) سورة إبراهيم . دعوات خرجت من فم طاهر أرسلها قلب مكلوم فتلقتها السماء ، واستجابت لها الأقدار ، وإذا ما عدنا إلى الأم لوجدناها تقبل على وليدها تستمد منه الأنس والعزاء وفى سبيله تتحمل المشاق وتتجرع الصبر وبقيت الأم الصابرة المؤمنة تعانى من الوحدة والوحشة فى تلك البقعة الجرداء جلست هاجر فى عريشها تحدق فى الصحراء الشاسعة أمامها ... ولا تعلم لماذا اختار الخليل هذا المكان مقاماً لها ولابنها الصغير ... كل ما تعلمه أن زوجها نبى ، والأنبياء لا يتحركون إلا بتوجيه من السماء ومرت عليها ثلاثة أيام حتى نفذ ما لديه من طعام وشراب وبدأ الظمأ يناوش الصغير العزيز ـ فهو أملها فى الحياة ـ ثم جاءت اللحظة التى ينبض لها قلب التاريخ فزعاً ... الطفل الصغير يوشك على الغرق فى محيط الموت ... فهبت مذعورة للبحث عن الماء ... وحين أعياها أن تجد ولو قطرة ... بد لها أن تصعد إلى مكان عال فنظرت أى الجبال أدنى ؟ فإذا "بالصفا" فقامت عليه تنظر هل ترى أحداً ؟ تتسمع هل تؤنس صوتاً ؟ فلما لم تجد إلا الوحشة والصمت ... أتت مهرولة إلى " المروة " ... وصعدت علَّها ترى أثراً من حياة ... لكن ... ولا أثر .... وظلت هكذا تسعى بين الصفا والمروة وبلغ السعى ((سبعة أشواط)) ، وكلت قدماها من الإجهاد واللغوب فعادت إلى عريش ابنها والدم ينزف من قدمها دون أن تحس وكان لها من ولدها الظامئ يمزق قلبها ويفرى كبدها .. جاءت تنتظر المصير الفاجع .. ولما أصبحت منه على قيد خطوة وقفت هنيهة ولا تصدق ناظريها ، ثم استردت أنفاسها اللاهثة ، وركعت على ركبتيها فوق الماء المتدفق عند قدمى الصغير فارتشفت منه ، وسقت الصغير ولا غرو فى ذلك فإن رحمة الله قريبة من المحسنين . فعن ابن عباس - رضى الله عنهما- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((رحم الله أم إسماعيل لولا أنها عجلت لكانت زمزم عيناً معيناً)) رواه البخارى (3183) قال الشيخ الألباني : ( صحيح ) انظر حديث رقم : 8080 في صحيح الجامع
وكما أحست هاجر بالرى بعد الظمأ و بالسكينة بعد القلق .... أحست أيضاً بالرضا لأن الله فجَّر لها نبعاً صافياً من الماء العذب سيكون أول خطوة من خطوات الحياة المباركة فى هذه البقعة المباركة الهامدة ... ما أروع هذا الدرس! وما أجل الذين يستفيدون منه ! .
أيها الأخوة :
**********
ودبت الحياة فى الوادى الأجرد ، وجاءت الطيور من حوله ، وعُمَّر المكان القفر، وصار محط الترحال ، وعاش الوليد إسماعيل ذاك الذى رعته هاجر وحدها بعناية الرحمن إلى أن تلقى مع أبيه رسالة السماء .
وشاء القدر أن يكون المكان القفر منارة ترسل أضواءها على مر السنين ، ومدى الدهر .. فيبوأ الله لإبراهيم مكان البيت ـ تلك المنارة الهادية ـ وخط له مكانه فاستعان بولده إسماعيل على رفع القواعد امتثالا لأمر ربهما : (( وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ )) (26) الحج . فأقاما البناء وهما يجهران بالدعاء أن يتقبل منهما ما عملا ، ولما انتهيا طلبا من ربهما أن يعلمهما مناسك العبادة التى وضع لها هذا البيت: (( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ # رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )) (127، 128) البقرة ... ثم أمر الله إبراهيم أن يؤذن فى الناس بالحج : ((وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)) (27) الحج . وروى انه لما أمر إبراهيم بالآذان قال يارب ومن يبلغ صوتى ؟ فقال الله يا إبراهيم عليك الآذان وعلينا البلاغ فاعتلى إبراهيم مكاناً عالياً ونادى بأعلى صوته: (أيها الناس إن ربكم بنى بيتاً وكتب عليكم الحج فحجوا) (تاريخ الطبرى ج1/ص157) عن ابن عباس . فسمعه من فى السماء ومن فى الأرض حتى من فى الأصلاب والأرحام فأجابوا .. لبيك اللهم لبيك ...
فلله در أقوام دعاهم مولاهم لقربه فشدوا إليه الرحال وما استبعدوا فى حبه بعيداً يرددون هذا النداء الخالد الذى يتجاوب صداه : (( لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك )) متفق عليه من حديث ابن عمر (مشكاة المصابيح / تحقيق الألبانى 2541/2). وليبقى البيت العتيق كما كان وسيظل الى الأبد مثابة الخائفين وقبله الحجاج العابدين دعوة الخليل إبراهيم ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( قفوا على مشاعركم فإنكم على إرث من أبيكم إبراهيم )) رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن مربع الأنصاري (صحيح) (مشكاة المصابيح / تحقيق الألبانى 2595/4) ، قال الشيخ الألباني : ( صحيح ) انظر حديث رقم : 4394 في صحيح الجامع .
الخطبة الثانية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم …… وأشهد أن لا إله إلا الله …… وأن محمداً رســول الله .
أما بعد …………
فيا عباد الله اتقوا الله …………. اتقوا الله فقد مضى زمن العصيان ……… اتقوا الله و اسألوه إصلاحاً وتنظيماً ….. واعلموا أن الله صلى على نبيه قديماً فقال تعالى : ((ولم يزل قائلاً عليماً وآمراً حكيماً )).
((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) (56) سورة الأحزاب
اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد ، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم إنـك حميد مجيد .
أيها الأخوة :
***********
إن البيت العتيق الذى تهوى إليه مئات الآلاف من كل فج ليتعاطف مع بيت المقدس فى حزنه ويهيب المسلمين كل المسلمين أن يستفيدوا من التجربة وأن يتعلموا من الدروس وألا يدخروا جهداً فى تطهير بيت المقدس والأرض العربية من دنس الصهيونية والشرك والكفر .
إن البيت العتيق الذى بناه الخليل إبراهيم بمساعدة ولده إسماعيل لكأنما ينادى عبر الزمن والتاريخ بالصلة القوية بينه وبين بيت المقدس وأن العروة بينهما لا تنفصم أبداً .. ولكأنما الحكمة فى رحلة إبراهيم من الشام إلى مكان البيت العتيق و تركه ولده وزوجه تؤكد فى عمق كعمق التجربة نفسها أن المكانين وما بينهما و ما حولهما حرام على الصهيونية والأمريكان والإنجليز وغيرهم وأن الرباط الذى ربطته السماء بين البيت العتيق وبين بيت المقدس ليوحى بالوحدة والوحدة الأكيدة
فانتقال إبراهيم بين الشام وأرض البيت العتيق لم يكن من قبيل الصدفة ولا من نتاج الفكرة والتخطيط و إلا لاختار إبراهيم مكاناً معموراً يدع فيه فلذة كبده .
إنما كان التخطيط تخطيط السماء لتدرك الأجيال القادمة من بعد إبراهيم عليه السلام أن الإسلام هو دين الوحدة وأن المقدسات وأرض المقدسات للمسلمين المتبعين لدين الوحدة عليهم أن يحافظوا عليها من دنس الشرك والكفر.
وأنت أيها البيت العتيق بلغ الوافدين إليك عن مدى حزنك على بيت المقدس ... بلغ الوافدين إليك عن مدى المؤامرة التى تحاك ضد الأقصى والمسلمين لعلهم يعودون إلى ذويهم وشعوبهم فيبلغوهم ذلك فيهيبوا حكوماتهم المتخاذلة عن نصرة بيت المقدس ودعم نصرة المسلمين ويوقظونهم فيمسحوا الكرى عن عيونهم وينظروا إليه نظره انتصار.
وأنت يا ربنا ويا رب البيت العتيق كن لنا عوناً وكن لنا سنداً ولا تكل أمرنا إلى الحكومات المتخاذلة ، وانتقم وعجل بالنقمة من الذين يتآمرون على شرف الإسلام ... اللهم اجعلنا من حجاج بيتك الملبين لندائك .
يا حرم الله الأمن فى مكة ، ويا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المدينة ... المسجد الأقصى إليكما مشتاق وفى الأسر حبيس تتآمر عليه العصابة الملعونة بحفر الأنفاق بغيه هدمه وضياع معالمه .... وبناء المستوطنات من حوله بهدف السيطرة على المدينة المقدسة .... ويا أيها الحجر الأسود بحق من جعل لك لساناً يشهد ادع رب العزة أن يعيد العزة للمسلمين .
أيها الأخوة :
**********
إن البيت العتيق الذى تنثال إليه الألوف من كل فج – حماه الله من كل طاغية ظالم – وحرس أهله لأنهم فى أمان فحينما توجه جيش أبرهة ووجهوا الفيل ناحية الكعبة بغيه هدمها والقضاء عليها ... حتى لا يكون لله بيت فيه يعبد فيه ويعظم .... ولما كان سكان مكة فى عجز عن الدفاع عنها ... تدخلت قدرة الله العظيم للدفاع عن بيته وحرمه فبرك الفيل وأبى أن يتوجه إلى الكعبة ... ثم أرسل الله جنده طيراً أبابيل أمثال الخطاطيف مع كل طائر ثلاثة أحجار لا تصيب أحداً إلا هلك وفر المعتدون هاربين وهم يتساقطون بكل طريق ويهلكون بكل مهلك وأصيب الطاغية أبرهة فى جسده وسقطت أنامله أنملة أنـملة ... ولما وصل إلى صنعاء وانصدع صدره عن قلبه مات. (البداية والنهاية لابن كثير ج2 / ص 173) / (تاريخ الطبرى ج1/ص443)
وهكذا حفظ الله بيته وأمن قريش فيما بعد حينما أنزل على رسوله الكريم : ((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ # أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ # وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ # تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ # فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ)) (1 : 4 ) سورة الفيل. وهكذا كل من تحدى الله ورسوله فسوف يكون هذا مصيره .
إن البيت العتيق الذى تنثال إليه الألوف من كل فج ليتعاطف فى هذا الزمن مع بيت المقدس ، إن الحوار الذى دار بين عبد المطلب بن هاشم سيد مكة وزعيمها يدل على أن العرب جميعا لا يستطيعون أن يمنعوا جيش أبرهة الحبشى من هدم الكعبة ... ولذا أمر عبد المطلب قريشا بالخروج من مكة والتحرز فى رؤوس الجبال وشعابها ... ولجأ الجميع إلى الله رب إبراهيم وصاحب البيت العتيق وأخذ عبد المطلب بحلق باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وعبد المطلب يقول :
لا هـمَّ إنَّ العبدَ يـمنعُ رحلَه فامنعْ رِحَالَكْ
لا يغلبـنَّ صليبُهم ومِحَالُـهم غِدْواً مِحَالَكْ
وانصرْ على آلِ الصَّليبِ .. على آل الصليب
وانصرْ على آل الصَّليبِ وعابديهِ اليومَ آلَكْ
وانصرْ على آل الصَّليبِ وعابديهِ اليومَ آلَكْ
إن كنـت تاركهـم وقبلتنا فأمر مـا بدالك

أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.
ردحذف