الاثنين، 6 يونيو 2016

قيمه الرضا بقلم الاستاذ ابراهيم فهمى

قيمة الرضا ــــ ووشوشة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عزيزاتى وأعزائى أعضاء جريدة القلم الفصيح كل عام وأنتم بخير (رمضان كريم) إسمحوا لي ان ألتقي بكم يوم الإثنين من كل إسبوع في مقالات وشوشه بصياغة تتناسب مع الوقت الذى نعيشه الان فى مجتمعاتنا العربيه ونسأل الله من خلاله الأجر والثواب وحُسن القول والعمل .
الرضا في اللغة: ضد السخط ومنه قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح (اللهم إني أَعوذُ برضاكَ من سَخَطِكَ وبمُعافاتِكَ من عُقوبَتِكَ وأَعوذُ بك منك لا أُحْصي ثَناءً عليك أَنت كما أَثْنَيْتَ على نفسك ) صدق رسول الله صل الله عليه وسلم .
والرضا يثنى على رِضَوانِ ورِضَيانِ، ويقال في الرضى رَضِيَ يَرْضى رِضاً ورُضاً ورِضْواناً ورُضْواناً، وأرضاه أعطاه ما يرضى به، وترضاه طلب رضاه .
واسْتَرْضاهُ وتَرَضَّاهُ: طَلَبَ رِضاهُ ورَضِيتُهُ وبه فهو مَرْضُيٌّ ومَرْضِيٌّ وارْتَضاهُ لِصُحْبَتِهِ وخِدْمَتِهِ، وتَراضَياهُ: وَقَعَ به التَّراضِي، واسْتَرْضاهُ: طَلَبَ إليه أن يُرْضِيَهُ .
فالرضى بالشيء الركون إليه وعدم النفرة منه، فقد يرضى أحد شيئا لنفسه فيقول: رضيت بكذا، وقد يرضى شيئا لغيره فهو بمعنى اختياره له، واعتقاده مناسبته له فيعدى باللام: للدلالة على أن رضاه لأجل غيره كما تقول: اعتذرت له، ومنه قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: «إن الله يرضى لكم ثلاثا»
يقول العلامة الراغب الأصفهاني: رضي يرضى رضا فهو مرضي ومرضو، ورضا العبد عن الله: أن لا يكره ما يجري به قضاؤه، ورضا الله عن العبد هو أن يراه مؤتمرا لأمره ومنتهيا عن نهيه
قال الله تعالى: ﴿رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [المائدة: 119]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 18]، والرضوان: الرضا الكثير ولما كان أعظم الرضا رضا الله تعالى خص لفظ الرضوان في القرآن بما كان من الله تعالى قال عز وجل: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ [الفتح: 29]، وقال: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ [التوبة: 21]
وفي الاصطلاح: الرضا هو طيب النفس بما يصيبه ويفوته مع عدم التغير
وعند أهل التصوف: سرور القلب بمر القضاء.
وقيل أيضا في تعريف الرضى: هو ارتفاع الجزع في أي حكم كان، وقيل في عبارة موجزة: هو رفع الاختيار ،وقال بعضهم: هو استقبال الأحكام بالفرح، وقال الحارث المحاسبى: سكون القلب تحت مجاري الأحكام .
أنواع الرضا :
ــــــــــــــــــــــــــ والرضا يعده أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- على نوعين :
أحدهما: الرضا بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ويتناول هذا النوع ما أباحه الله من غير تعد إلى المحظور كما قال سبحانه وتعالى: ﴿اللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 62]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 59]، وهذا النوع من الرضا واجب، والدليل على وجوبه ما ورد في القرآن الكريم من ذم تاركه كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 58-59 ]
والنوع الثاني: الرضا بالمصائب كالفقر والمرض والذل، وهذا الرضا اختلف فيه أهل العلم على قولين: بين الوجوب والاستحباب، والى الأخير مال شيخ الإسلام -رحمه الله- وقال إنما الواجب فيه الصبر، واستدل على ذلك بما ورد من حديث ابن عباس-رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «إن استطعت أن تعمل بالرضا مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا»(10) فالرضا غريزة والصبر المعول الذي يعتمد عليه المؤمن .
وأما الرضا بالكفر والفسوق والعصيان فالذي عليه أئمة الدين أنه لا يرضى بذلك فإن الله لا يرضاه كما قال سبحانه: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: 7]. [بتصرف من مجموع الفتاوى: 10/ 682 ]
فالرضا من أعمال القلوب المختلف في وجوبها بين أهل العلم من الفقهاء وأهل التصوف .
منزلة الرضا: في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقد أثنى المولى -جل وعلا- على أهل الرضا في مواطن كثيرة وندبهم إليه: فقال -عز وجل-: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]، وقال سبحانه: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22 ] .
والرضا من صفات أهل الإيمان فهم يسعون لنيل رضا ربهم في كل عمل صالح يقدمون عليه قال -تبارك وتعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: 207]، وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: 114 ] .
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 28 ] .
ومن السنة النبوية :
ما جاء عن العباس بن عبد المطلب-رضي الله عنه- في الحديث الصحيح من قوله- صلى الله عليه وسلم-: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا )
وقد جاء في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا، وبمحمد رسولا،وبالإسلام دينا غفر له ذنبه» .
وقد كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- كما تحكي لنا عائشة -رضي الله عنها- قالت فقدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول:(اللهم إني أعوذ بك برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ..) صدق رسول الله صلّ الله عليه وسلم .
والرضا بما عند الله تعالى يكفيك ما عند الناس فعلى المسلم أن يلتمس رضى المولى جل وعلا تقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:(من التمس رضاء الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضاء الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس ) .
وأخيرأ فهذه مقتطفات سريعه وبسيطه وعميقة الأثر عن الرضا من كتاب الله جلّ وعلا ومن سنّة نبينا محمد صلّ الله عليه وسلم وهى موجزه فالموضوع كبير جدا كما تعلمون حضراتكم
ولكن لى ملحوظة بسيطة أود طرحها : وهى هل معنى الرضا أن يظل كل شخص على حاله دون بذل أى مجهود زاعماً انه يرضى بحاله وقضاء الله ؟
المريض لا يذهب إلى الطبيب ، والطالب لا يذاكر ولا يكد ، والظالم لا نتصدى له ونقول هو قدرنا ونحن راضون به ، والفاسد والسارق والقاتل لا نحاسب أحداً ونزعم أن ذلك قدر الله فينا ونرضى وكفى .
لا أعتقد أن هذا هو المغزى من الرضا كما قرأت فى هذا الأمر ... فالرضا يأتى بعد الأخذ بالأسباب وبذل الجهد المطلوب منا والتوكّل على الله وليس التواكل ودفع الضرر بأى صورة من الصور حتى ولو بالقلب كما اخبرنا النبى صلّ الله عليه وسلم واعتبره أضعف الإيمان
الرضا لا يمنعنا أن نحاول التغيير فى سلوكنا أو افكارنا أو واقعنا ما دام فى إطار تعاليم الله وسنّة نبيه ، ولابد لنا أن نعلم علم اليقين أن مسعانا إلى الرضا لابد أن يتوازى مع مسعانا إلى رضا الخالق عنّا فلا يكفى أن نرضى نحن وكفى ولكن أن يرضى عنا الله ( رضى الله عنهم ورضوا عنه )
الرضا يريح النفس والقلب من السخط ومن التبرّم والإحباط والفشل
الرضا غاية جميلة ونبيلة وواجبة لنا جميعاً ولكن الأهم هو كيف نستخدم هذه القيمة ومتى نستخدمها حتى يتحقق المغزى منها ؟
وأخيراً إلى لقاء آخر إن شاء الله مع قيمه جديده ووشوشة إن كان فى العمر بقيّه ،،،،
إعداد وتقديم / إبراهيم فهمى المحامى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المتابعون