الجمعة، 14 ديسمبر 2018

إبليس (3) ... بقلم الباحث المصري والشاعر / محمد سعيد أبوالنصر

إِبْلِيس (3)
بقلم / محمد سعيد أبوالنصر
 إبليس: هو رمز الشر، ورأس الشياطين ،وهـو مخلوق معروف عند الشعوب والأديان والطوائف ،وقد أبى السجود لأبينا آدم حين أمره الله بالسجود ، فاستحق لعنته ،وطُرد من جنته ، ووجبت له النار بعد إنظار اﷲ له إلى يوم القيامة .
2-الحكمة من خلق إبليس
قد ذكرنا في المقالات السابقة بعض الحكم من خلق إبليس وما زلنا نتابع هذه الحكم .
3- خوف العباد من الذنوب:
لما رأى المؤمنون حال إبليس  بعد المعصية ،وشاهدت الملائكة ما حدث ، حصلت لهم عبودية أُخرى للرب تعالى، وخضوع آخر، وخوف آخر، كما هو المشاهد من حال عبيد الملك إذا رأوه قد أهان أحدهم الإهانة التي بلغت منه كل مبلغ، وهم يشاهدونه، فلا ريب أن خوفهم وحذرهم يكون أشد. وهكذا حال الناس بعدما كان من عصيان إبليس لله وطرده من رحمته .
4- كونه عبره للمعتبرين :
 إنَّ الله جعل في قصة إبليس عبرة لمن خالف أمره، وتكبر عن طاعته، وأصرّ على معصيته، كما جعل ذنب أبي البشر عبرة لمن ارتكب نهيه، أو عصى أمره، ثم تاب وندم ورجع إلى ربه، فابتلى أبوي الجن والإنس بالذنب، وجعل هذا الأب عبرة لمن أصرّ وأقام على ذنبه، وهذا الأب عبرة لمن تاب ورجع إلى ربه، فلله كم في ضمن ذلك من الحكم الباهرة، والآيات الظاهرة.
5- جعله فتنة واختبارًا لعباده:
 الحياة الدنيا ـ لكي يكون فيها اختبار ـ لا بد أن يكون فيها إغواء وغواية، ومن هنا كان إبقاء الحق سبحانه وتعالى لحياة الشيطان جزءا من الإغواء الذي سيتعرض له الإنسان في حياته الدنيا، اختبار من الله لحبه في قلوب عباده، فمن أحب الله وقاه الحق سبحانه وتعالى من إغواء الشيطان، ومن أحب المعصية والكفر والعياذ بالله سلط الله تبارك وتعالى عليه الشياطين لتزيده معصية وكفرًا. واقرأ قوله سبحانه وتعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84)} [ سورة مريم، الآية : 83ـ84] وهكذا فإن الله سبحانه وتعالى يجعل الإنسان مع من أحب، فإنْ أحب الله تبارك وتعالى، كان مع الله، فوقاه السوء وأبعد عنه الشياطين، وحفظه من الشر، وفتح أمامه أبواب الخير، وإن كان يحب الشيطان تركه للشياطين التي هي عدو له تقوده إلى المعصية، وتجعل حياته شقاء مستديمًا، ويزداد إثمًا على آثامه، ثم لا يأخذ معه شيئًا إلَّا ذنوبه ،وحتى تكتمل تجربة الحياة على الأرض كان وجود الإِغْرَاء من الشيطان ضروريًا وحتى يختبر الله عباده اختبارًا إيمانيًا حقيقيًا، ويمحص ما في قلوبهم، كان لا بد من تجربة واقعية يمر بها الإنسان في حياته وليست تجربة نظرية لأنَّ الكلام النظري شيء، والواقع شيء آخر فقد تقول سأفعل كذا وكذا وعندما يأتي وقت الفعل قد لا تفعل. والإنسان حين حمل الأمانة وعد أنه سيؤديها حق أدائها وعندما جاء وقت الأداء أخذته الدنيا بإغوائها وإغرائها فاتبع الشيطان ونسي عهده لله. ونسي منهج الله، فلا يظن أحد أنَّ الله سبحانه وتعالىقد أجاب دعوة للشيطان ولكنه جل جلاله بما أعد للدنيا من منهج وبما أعده لحياة الإنسان من ابتلاءات واختبارات أراد أن تتم الصورة كلها ،إذن فالإجابة كانت لمراد الله سبحانه وتعالى وليست استجابة لدعاء الشيطان أن يبقى إلى يوم البعث ولا يقبضه إليه قبل ذلك اليوم ليظل الإغواء في الدنيا حتى آخر لحظة والابتلاء للإنسان مستمر إلى يوم القيامة." فالابتلاء محك اختبار يمتحن الله به خلقه، ليتبين به خبيثهم من طيبهم، فإنه - سبحانه - خلق النوع الإنساني من الأرض، وفيها السهل والحزن، والطيب والخبيث، فلا بد أن يظهر ما كان في مادتهم، فعن قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَصْفَرُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ وَالطِّيبُ».وقوله "السهل": الذى فيه رفق ولين. "الحزن" :الذى فيه عنف وغلظة، فما كان في المادة الأصلية فهو كائن في المخلوق منها، فاقتضت الحكمة الإلهية إخراجه وظهوره، فلا بدّ إذن من سبب يظهر ذلك، وكان إبليس محكًّا يميز به الطيب من الخبيث، كما جعل أنبياءه ورسله محكًّا لذلك التمييز، قال تعالى {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)} [سورة آل عمران ، الآية :179]،فأرسل رسله إلى المكلفين، وفيهم الطيب والخبيث، فانضاف الطيب إلى الطيب، والخبيث إلى الخبيث. واقتضت حكمته البالغة أن خلطهم في دار الامتحان، فإذا صاروا إلى دار القرار يميز بينهم، ويجعل لهؤلاء دارًا على حدة، ولهؤلاء دارًا على حدة، حكمة بالغة، وقدرة باهرة.
6- إظهاره كمال قدرته سبحانه بخلق الأضداد:
 ومن هذه الحكم أن يظهر كمال قدرته بخلق الأضداد، مثل الضياء والظلام، والجنة والنار، والماء والنار، والحر والبرد، والطيب والخبيث. وهذه الأضداد تظهر حسن الأشياء وقبحها والضد إنما يظهر حسنه بضده، ولولا القبيح لم تعرف فضيلة الجميل، ولولا الفقر لم يعرف قدر الغنى.. .. ................وللحديث بقية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المتابعون