نص بعنوان
سكّر..
عندما تتشامخ العافية أمام المرض..ويذوب الكائن جسدا وروحا وهويّة وتاريخا...يصبح المرض هويّة جديدة..اسما يعطيه القدر:سكّر..سكّر..دالّ حلو لمدلول مرّ..كلمة عذبة..فيها من الوداعة والرقّة والسلم والأمل والطفولة...لكنّ معانيها تناقضها تماما..فهي خذلان الصحّة وصدمة البلاء و رجّة الجسد..مصافحة دائمة للخطر..رحلات في أنفاق الغيبوبة والوهن..حين يتكوّم الكيان على فراش مستشفى..رقما مسجّلا..يعوده طاقم طبيّ...ممرضون..أطبّاء..يجمعهم البياض النّاصع لميداعاتهم مثلما يجمعهم عتوّ خفيّ لم يتّفقوا عليه..لم يشرط عليهم..ولكنّه ينبعث من خطواتهم التي لا تقول لك إلا شيئا واحدا تشعر أنّه يتردّد في فضاء المستشفى حتّى ينتهي بصوت قهقهة شيطانيّة...نحن أصحّاء ...نحن أصحّاء..نحن أصحّاء..تنظر العيون الذّابلة إليهم مهدودة بالعذاب..بالخوف..بالانتظار..تبتسم لهم الشفاه واهية..ويختلج إحساس مشوب بمرارة التملّق أحيانا عندما يلقي المريض لصاحب عافية تحيّة لا يريد منها أدب المعاملة ولا العشم في مودّة سانحة وإنّما محاولة في التأكّد من الوجود..من الإنسانيّة..من الآدميّة..سؤال ضمنيّ في التحيّة {هل أبقى لي المرض شيئا من ذاتي؟..من انتصاراتي؟..من خيباتي؟.من ماضيّ ؟..من انتظاراتي؟..هل مازلت صالحا للتواصل الإنسانيّ بعيدا عن الشفقة والرّثاء..بعيدا عن عنجهيّتكم لأنّنا مرضى وأنتم أصحّاء؟..}..تصبح التحيّة في أحيان أخرى نوعا من الاعتذار للّذين سرق نومهم..اعتذار للأيادي الرّحيمة الّتي تحرس الحياة طوال اللّيل..تتابع بركان السكّر المباغت بالهيجان والخمود..تحيّة حلوة تنتهي بطعم المرارة..تصبح الإشعار الإنسانيّ الوحيد الّذي يربط المرضى بعالم الأحياء...
بقلم وفاء الرعودي-تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق