صَهيل على باب السَّقا / أََغْمَض النَّهار عَيْنَيه بَعد يَوم شَاقٍ وطويل كان يَتَودَّد إليه سِلمي السَّقا الرَجُل المُبارك الذي يَجوب الدُرُوب والأَحْيَاء وهو يَحمل قِربته المَملوءة بالماء
يَسقي بها العِباد وتَعرفه القُرى وكَثير مِنْ البِلاد في زَمن ما قبل الصُنْبُور وتَنتَظِر قُدُومه مِنْ أمَامَها الدُور وهو يَبتسم إلى السَماء والطُيور ويَتَوَدَّد للأَشجَار ويَعشَق نور النَّهار ويَخشَى رَبّ الكَوْن الإله القَهَّار وهَيْئَته هَيْئَة الزُهَاد وسبْحته يَتَطَيَّب بها العباد وقَربَته دائما ضَاحكة مُسْتبْشِرة ومُبِتَسِمَة وبها دموع غَزيرة ومُحْتَّشِمَة وصَوت ضَحِكاتها يَتَطَقْطَق في الأَكْوَاب فهو مِنْ عُذوبَتِه سَلسَال عُجاب ويود أن يَرتوي منه السَحاب وشِفاه هذه القِربَة طَرية رَطبة تَبوح بالمياه السَائغة العَذبة وهي مُؤمنة وتَقٍيَّة وتعشَقها السَرائِر النَقِيَّه ومَلامِحها تَعرفها القُرى ويَشتم رَائِحتِها التُراب والثَّرَى وصَاحبها كأنه مَلك من السَماء يَطوف بِبَركَتِه الدُرُوب والأرّجَاء وله دَعوات كالسَّلسَبيل سِرها عَظيم وَجَليل والمسَاجِد تَشْتَاق لقُدومِه والشَّياَطِين هُم فَقط خُصومِه والمُصَلِّين لا يَتْرُكُونَه حَتى يؤذِن الفَجْر فيهم وبُكاء فُرات قِرْبَته يَسّقِيهم فيَتَبرََّكون به ويَسعَدون وبعد صلاة الفَجر حَوله يَلتَفون ثُم يُهَرْوِل بِنَعلية التي تَعشَقها الطُرقات وكأن الدُرُوب بهما تَقْتَات ويَظهَر أثرها في ذاكِرة الثَّرى واضِحَا لِمَن يُشَاهِد ويَرى وَيتَبَرَّك به العِباد في رُبوع البِلاد وَحَوافِر الخُيل رَغم ضَباحَتِها تُبقي بَعض البَصَمات على هَيْئَتها فَوق صَفحَة الثَّرى وفي طُرُقَات الدُرُوب والقُرى وَهَؤلاء الفُرسان يَجُوبُون الطُرقات في وَقت الرَّخَاء والأَزَمَات وَصَهيل خُيولِهم يَسّمَعه القَاصي والدَاني والدُور والمَباني والناس لهم على مَرْأى وَهُم يُِطاردون الذين يَتَّخِذُون مِنْ الجِبَال لَهم مَلجَأ ومَأوى ويَتَرأس قُطَّاع الطُرق رَمَّاح وهم يَسكُنُون الجَبَل ومُال العِباد لَهُم مُبَاح ولا يَتْرُكون أَحدا يَرتَاح فكيف يَتَخَلَّص النَّاس مِنَ هَذا العَناء فَيَطُلب سِلمي أن تُسَاعِده السَماء فيَخرج إلى قَارِعَة الطَريق والليّل له رَفيق لَعَله يُصَادِف رَمَّاح وعِصَابَته وَهو يَحمِل قرْبَته وفي هذه الليّلة يَتَعَمّق في طَريق الجَبَل وكأنه تَائِه أو أَصَابه خَبل ويَجلِس عَلى صَخْرَة الرُّعُب ويَعلم أنَّ ذَاك أَمر صَعْب فهذه الصَّخرة لا يَجُرأ أحد مِنْ الوصول إليها والإقتِراب حَتى قُطاع الطُرق يُسََمُونها بصَخرة العَذاب حَيث الأَصوات الخَافِتَة والرُعب والحَديث المُبهَم الصَّعب الذي تَتَحدثه الصَّخرة فَتُخيف مَنْ تُريد وتَبوح بأسرَار مَنْ تُريد ولا يَجلس عِندَها إلا مَنْ يَستَعِد لفَقد نَفْسِه فيُصَاب ببَكَامة تَلّتَهِم هَمسِه وَيَتَوّقَف عَقلِه ويَخِف ثقلة ولكن ذَهَب إليَّها سِلمي بقربته المَملوءة بالمَاء فَسَكَبها على الصَّخرة بذَكَاء فعَرفته الصَّخره وأَحَبَّته وما أنْ جَلس عَليها إلا وَسمِع صَوت خَافِت يَدعُوه إليّها ويُحدثه ويَقول أَنْ يَلمِس العَين الدَامِعَه لِيَنَال القَبُول وَهَذه العَين قِطعَة مِنْ الصَّخرة تشبه العين الخضراء ولا يَنضُب مِنها الماء ويَتَفَجّر بِنقاء فَيُلامِسها سِلمي بيَده فَتهّتَز الصَّخرة وكأنها تُعَاضِدَه
وَيَتَفَجّر منها البُكاء بشكل منهمر وإذا بالسَماء تَكتظ بالسُحب الثِقال ولا تحْتَضر وَصوت كالرَعد يَملأ الأرجَاء يَسمَعه سِلمي وهو يَنظر إلى السَماء حَتى أن قرْبَته تَهتز مِنْ ذَاك الشَقاء وتبدأ الصَّخرة بالحَديث وتكشِف كَل أصيل وخَسيس وسِلمي يَستَمِع باندهَاش وقربَته كأنها أصَابها مَرض الرَعَاش والليل تَزداد صَرامَته ويَشتَد وَثَاقه وتَزداد هَيبَته والسُّحب صَاحِبة الرُكام المُعّصِر والسَنَدان الكَئيب المُنذِر تَزّداد قَسوتها كأنها جِبال تُغلق السَماء بُرمَتِها وكأنها كِثَفَا فوق الأرض تَتَرافق فتراها كأَعمِدة تَتَعانق والصَّخرة بأسرار العِباد تَبوح قَبل أن تَنطلِق العَواصِف الكَاظِمة أنفَاسها والصُدوح وسِلمي لا تهتَز أو ترتَعد فرائِسه ويُواصل الإستِمَاع فتلك غَرائِزه فحَدّثَها عن رَمَّاح فبَاحت له أنه خَطير وَسَفَّاح وهو وعِصَابته في أعلى الجَبل يَسكن وعند فَك الذئب يَقطن والوصُول إليه صَعب فالطَريق وَعر وبه رُعب وأعطت الصَّخرة لسِلمي سِرا عَظيما سَيتَقلَّد بِه جَاها كَريما أَنَّ مَنْ يَشرب مِنْ دُمُوعِها يَهتدي وتَزول ضَلالته ولا يَعتدي فيُقرر سِلمي أَنْ يَملأ قربَته مِنْ دُمُوعها قَبل أَنْ يَتوقَف بُكائها وعلى ذَلك هو يُوفق وبقربَته يَتَرفق وهو والصَّخرة يَتعاهدان على الذِكر والإحسَان
وأنْ يَأتي إليًها في مِثل هذه الليلة مِنْ اختفاء القَمر واشتِدَاد الظَّلام لتَبوح له بأسرار جَديدة يَسمعها باهتمام ويُودع سِلمي الصًَخرة ويَنطَلِق يُريد للهِداية أَنْ تَختَرٍق فينتَظر رمَّاح وعصَابته أسفَل الطَريق الوعِر فيَجدونه أمَامهم وكأنه مِنَ صَلاحِه كالبَدر وأيضا مِنْ طِيبته وهم يَعرفونه ببَركته فقال أَحَدهم ما سَبب تَواجدك فقال سِلمي القَدر سَيرني لرؤيَتك وذا قربَني تَدعوك ومَنْ مَعك أن ترّتَوو فأخذ سِلمي يَملأ بِكُوبه الصَغير وهم يَشربون وَيَرتوون ومن لذة الماء يَرتَشِفُون وهم قد شَربوا من دُمُوع الصَّخرة ولا يَعلَمُون وبَعد أن أستَقر الإرتِواء في أجوافِهم دَعاهم سِلمي أنْ يَترُكوا ماضيهم وسُوء ما بِهم فأجَابوه بالتوبة وَسَيردُون الحُقوق لأصحَابِها فنُفُوسهم لِمَا أقتَرفوه لا تَهوى وأصطَحَبهم مَعه إلى دَاره وعَلَّمَهم التبيَّان وأسرَاره وتَأكد النَّاس بأَنَّ سِلمي مَعه في قريته مَاء مُبارك فأقبَلت الخُيول والفُرسان حَول دَارِه تُريد أنْ تَتَبَارَك وتُشَارك فماء الهداية سِره عَظيم ومن أدرَكه اهتدى إلى الخَير المُقيم وصَهيلِ الخَيل يُدَّوي في الأرجَاء وتَسمَعه الطُيور في جَوف السَماء ويَتَناقلون فيما بَينَهم خَبر هَذا الصَهيل عَلى بَاب السَّقا ،،
كلمات وبقلم / علاء فتحي همام ،،
جمهورية مصر العربية ،،
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق