بقلم يوسف ونيس مجلع – إيطاليا، بريشيا
أصدقائي الأحباء ضمن سلسلة مقالات «كم أنتِ عظيمة يا مصر»، مقالة بعنوان [ مصر الريادة ].
حينما يُقال إن مصر كانت رائدة في الفلك أو الطب أو الهندسة، فإن ذلك لا يعني ريادتها في هذه العلوم وحدها، بل في معظم مجالات المعرفة الإنسانية؛ لأنها ببساطة وُجدت أولًا، وحباها الله سبحانه وتعالى بريادةٍ إلهية جعلتها أول أرضٍ مقدسة يُذكر فيها اسمه.
وقد جاء الرد واضحًا في تراثها؛ إذ إن قدماء المصريين كانت لهم الريادة في معرفة الله الواحد، خالق السماوات والأرض، ما يُرى وما لا يُرى، وهي معانٍ تجلّت صراحةً في صلواتهم ونقوشهم، في وقتٍ لم تكن فيه البشرية قد بلغت هذا الإدراك الروحي العميق.
كما حباها الله بموقعٍ جغرافي لا مثيل له، جعلها مطمعًا لقوى الشرق والغرب، فعانت على مرّ التاريخ من احتلال الطامعين. ومع ذلك، ظلّت ريادتها حاضرة في أن تأثيرها في الغزاة كان أكبر بكثير من تأثيرهم فيها، وإن نجحوا أحيانًا في محاولة قطع صلة الرحم بين شعبها وعظمة تاريخه.
ولم يكتفِ البعض بذلك، بل جرى تزوير وتشويه القليل المعروف عن هذه العظمة؛ فظهرت مزاعم بأن بناة الأهرامات كائنات فضائية أو من الجن أو العمالقة، وأن المصريين لا دخل لهم في ذلك، إلى جانب كثير من الهبد العشوائي الذي يفتقر إلى أي أساس علمي.
ومثال آخر على هذا التجاهل المتعمّد: الادعاء بأن فيثاغورس الإغريقي تحدث عن كروية الأرض في القرن السادس قبل الميلاد، ثم جاء بعده أرسطو ليتناولها بدقة أكبر في القرن الرابع قبل الميلاد، ثم فرناندو ماجلان في مطلع القرن السادس عشر ليثبت — لا ليكتشف — كروية الأرض برحلته الشهيرة حول العالم.
كل ذلك مع تجاهل دليل قائم في مصر منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وهو تعامد الشمس على وجه الملك رمسيس الثاني في يوم ميلاده ويوم تتويجه، وهو إنجاز لا يحتاج فقط إلى معرفة كروية الأرض، بل إلى عبقرية فريدة وطفرة متقدمة في علوم الفلك.
وهي العبقرية ذاتها التي مكّنت المصريين من وضع أدق تقويم عرفته البشرية، منذ ثلاثة وأربعين قرنًا قبل الميلاد.
ومن مظاهر الريادة التي قلّما يُشار إليها، نظام النقل الفريد الذي أسهم في ازدهار مصر وسرعة التواصل بين مدنها تجاريًا وثقافيًا؛ فبينما اعتمدت الحضارات الأخرى على الحيوانات والعربات محدودة الحمولة، تمتعت مصر بنهر النيل الذي يجري من الجنوب إلى الشمال، ورياحٍ شبه دائمة تهب من الشمال إلى الجنوب، حتى ألهمت ندرة النسيم الجنوبي شاعر الشباب أحمد رامي قوله:
«أغار عليك من نسمة الجنوب».
ونحمد الله دائمًا أن مصر لم تخلُ من أسودٍ تأكل قلوبها الغيرة على الوطن؛ مثالًا لا حصرًا: مرقس باشا حنا، رحمه الله، الذي ناضل قبل مائة عام للحفاظ على آثار توت عنخ آمون، والتي لولا جهوده — بعد توفيق الله — لكان مصيرها النهب كغيرها. وفي وقتنا الحاضر، يواصل عالم الآثار الدكتور زاهي حواس نضاله لتصحيح المفاهيم الخاطئة عن حضارتنا العظيمة. أطال الله عمره وأنعم عليه بالصحة والعافية، أختم المقالة بريادة قدماء المصريين في الاحتفال برأس السنة؛ لأنهم صُنّاع تقويم السنة، وكل عام وحضراتكم والبشرية جمعاء بخير وسلام ورعاية الله..
يوسف ونيس مجلع --- مصر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق